حبيب الله الهاشمي الخوئي
125
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأخرى بجعل الفاعل بمعنى المفعول مع حذف الموصوف أيضا أي لم يفقه الأشياء الموعية ، وثالثة بجعلها بمعنى الصّارفة . فإن قلت : ما السّر في وصفه السّمع بعدم الفقه لا بعدم السّماع وتعبيره بقوله : لم يفقه دون لم يسمع مع كون الواعية أيضا من قبيل المسموعات لا المفقوهات والحال أنّ الموصوف والمتعلق كليهما مقتضيان للتعبير بالثّاني دون الأوّل . قلت : بعد الغضّ عن عدم ملايمة الوصف بالثّاني للدّعاء بالوقر لاستلزامه تحصيل الحاصل أنّ السّر في ذلك هو أنّ المقصود بالسّمع ليس مجرّد السّماع والاستماع بل الفقه والفهم والاتعاظ بالمواعظ والنّصايح بعد إدراك السّمع لها ، فإذا أدركها ولم يفقهها ولم يقم بمقتضياتها فهو حريّ بالدّعاء عليه بكونه موقورا ثقيلا مع أنّ في التعبير بهذه اللفظة إشارة إلى غاية نفارهم واستكبارهم وشدّة لجاجهم وعنادهم ونهاية بغضهم وعداوتهم ومنتهى نفرتهم عن قبول الحقّ كما قال عزّ من قائل : * ( » وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ « ) * وصفهم بالصّمم مع إثبات الاستماع أوّلا من حيث عدم انتفاعهم بما يستمعون ، فهم والأصمّ على السّواء وذلك فإنّ الانسان إذا قوى بغضه لانسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجّهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع الجهات الحسن فيه ، فالصّمم في الاذن معنى ينافي حصول إدراك الصّوت فكذلك حصول هذا البغض والاستكبار والمنافرة كالمنافي للوقوف عن محاسن ذلك الكلام والاطلاع بما أريد منه . ثمّ كما أنّه لا يمكن جعل الأصمّ سميعا فكذلك لا يمكن جعل العدوّ البالغ إلى هذا الحدّ صديقا مطيعا ، ولذلك اعتذر عليه السّلام من عدم تأثير كلامه فيهم بقوله : ( وكيف يراعي النّبأة ) أي الصّوت الخفي ( من أصمّته الصيحة ) إشارة إلى أنّ من لم يؤثّر فيه كلام اللَّه وكلام رسوله الذي هو كالصّيحة المكرّرة عليهم حتّى جعلهم أصمّ من كثرة التكرار وشدّة الاصرار ، كيف يؤثّر فيهم كلامه عليه السّلام الذي